روسيا تغزو أوكرانيا.. والعرب في دور الضحية مجدد

لا يمكن سوى الشعور بالوحدة بعد تصفح “فايسبوك” و”تويتر” لقراءة المنشورات العربية التي تناقش الغزو الروسي لأوكرانيا، وملاحظة كمية العنصرية الممنهجة التي تضع مآسي العرب والمسلمين في مرتبة مختلفة عن مآسي الشعوب الأخرى وتجرّم للحظة التعاطف أو الاهتمام بما يحصل في الكوكب من أحداث طالما أنها لا تجري في الدول العربية التي تتقلب من فشل إلى آخر منذ عقود.
وفيما يمكن المجادلة بأن مواقع التواصل لا تعكس العالم الحقيقي وأن من ينشط هناك هم الأقلية الصاخبة فقط، إلا أن المشهد في العالم العربي قد يكون مختلفاً لأن تلك النوعية من التعليقات والنقاشات تتكرر في الحياة اليومية وفي وسائل الإعلام التقليدية أيضاً، ما يذكر بحقيقة أن المدافعين عن الحريات والمروجين للديموقراطية والمؤمنين بقيم أكثر ليبرالية هم الأقلية ضمن مجتمعات منغلقة على نفسها سياسياً ودينياً واجتماعياً، كما أن تكرار الجدل البيزنطي مهما اختلفت الأحداث من تفجيرات إرهابية في دول أوروبية إلى الغزو الروسي إلى أوكرانيا، يظهر بشكل لا يقبل الشك بأن المجتمعات العربية تتشارك مزاجاً معادياً للغرب لأسباب متعددة، سياسياً وثقافياً وإعلامياً.ومن الغزو الروسي لأوكرانيا تتشعب النقاشات حول حقوق الإنسان والحريات لتصب في نقطة واحدة مفادها أن الغرب منافق وكاذب ويكيل بمكيالين ويعادي الإسلام تحديداً لأنه يشكل خطراً على الهيمنة الغربية على العالم بسبب قدرته على التوسع والانتشار. ومرة أخرى يعود المعلقون بالذاكرة إلى الحروب الصليبية لوصف “الحقد الغربي على الإسلام” ويكررون الحديث عن الحقبة الاستعمارية، وكيف فشلت الحركات المختلفة في وقف المد الغربي باستثناء الإسلام الذي يشكل برأيهم الأمل الأخير للبشرية في هذا الصراع الوجودي، الذي يريد به “الرجال البِيض” استعباد بقية شعوب الأرض وسرقة ثرواتهم ومسح ثقافاتهم وتحقير حضارتهم.ورغم أن المعركة الحالية لا ترتبط بالإسلام ولا بالعرب من قريب أو من بعيد، إلا أن النقاش السابق شكل مدخلاً لتبرير التعاطف العربي مع روسيا من مبدأ “عدو عدوي صديقي”. ويتم سرد القيم المشتركة التي يعاديها الروس والعرب معاً في الغرب مثل حقوق المثليين على سبيل المثال. وليس من الغريب أن يكون مقطع فيديو مضللاً يدّعي أصحابه أنه يظهر معاملة الجنود الروس للمثليين جنسياً في أوكرانيا و”تعليمهم معنى الرجولة” واحداً من أكثر الفيديوهات انتشاراً في مواقع التواصل خلال الأيام العشرة الماضية، ما استدعى تفنيده من منصات متخصصة في كشف الفيديوهات الكاذبة.وفيما كانت الذكورية تضج منذ اليوم الأول للغزو في مواقع التواصل بالحديث عن “لو أتت اللاجئات الأوكرانيات” وعروض الزواج وحتى التحرش الصريح، كانت التعليقات بالتوازي تتحدث عن تكريم الإسلام للمرأة وتحقير الغرب لها عبر “تسليعها”. هذا التناقض المروع والآتي من الأشخاص أنفسهم، ليس غريباً، بل هو طبيعي ضمن المنطق الذكوري المنتشر في المجتمعات العربية، وإن كانت شهوانيته منفرة فذلك لإنها لا تأتي من ناحية جنسية بقدر ما تأتي من منطلق عنصري يمنح الرجال المسلمين والعرب الحق في وضع أيديهم على النساء الكافرات كغنائم حرب ربما، قبل أن يناقش الأشخاص أنفسهم، ضمن سلسلة التغريدات ذاتها، كيف لا يتعاطف الغرب مع “الحرائر” في اليمن وسوريا والعراق، رغم كونهن محتشمات.كل ما سبق ليس جديداً بل هو تكرار للحياة اليومية العربية. المستفز فعلاً هو أن هذه النوعية من الأشخاص تلوم الغرب على عدم نصرة قضاياهم عبر السنين. ومع لعب دور الضحية مجدداً يتم تفريغ النزاع في أوكرانيا من مضمونه وسياقه للحديث عن تخلي الغرب عن الإنسان العربي المسلم في فلسطين والعراق وسوريا واليمن وليبيا، كما يتم استذكار عشرات الحوادث الأخرى من التاريخ السحيق، للقول بأن الإسلام مستهدف ومحاصر لأن الغرب منافق. وبطبيعة الحال لا تتم الإشارة للديموقراطية المعاصرة في الدول الغربية التي تعطي الحق في المواطنة للأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، بعكس الدول الدينية السائدة في الشرق الأوسط حتى اليوم، كما لا يلاحظ أولئك المتشنجون كمية الرأفة التي أظهرتها الدول الغربية تجاه اللاجئين الهاربين من دول إسلامية مزقتها الحروب والصراعات خلال العقد الماضي على أقل تقدير، ولا يرون أيضاً كيف وصل مسلمون إلى مراكز عليا في الدول الغربية، بما في ذلك الكونغرس الأميركي نفسه، بل يصبح كل ذلك بطريقة ما جزءاً من المؤامرة لسرقة أبناء المسلمين وحَرفهم عن دينهم الحقيقي.من الصعب الفصل بين العروبة والإسلام ضمن هذا السياق على اعتبار أن الدين يشكل جزءاً من الهوية الفردية والمجتمعية على حد سواء في دول فشلت في فرز هويات وطنية خاصة بها. وبين الرغبة في الانتقام والرغبة في السيادة، قد لا يكون من المبالغة القول بأن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، نظرياً على الأقل، ولا يختلف في ذلك الموالون للأنظمة السياسية القائمة، عن المعارضين لها، بل تتكرر النقاشات نفسها من الجانبين على اختلاف الجنسيات طبعاً.وفيما كانت الدول الغربية تعقد شراكات مع دول في الشرق الأوسط على المستوى السياسي لم يتطور ذلك إلى شراكات حقيقية مع المجتمعات المحلية. وفيما تدخلت الدول نفسها عسكرياً لإطاحة قادة ديكتاتوريين مثل صدام حسين ومعمر القذافي ودعمت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وسوريا، إلا أن ذلك بقي محدود الأثر مع الحفاظ على علاقات مع قادة آخرين في دول أخرى أكثر استقراراً كدول الخليج. وبعد عشر سنوات من الربيع العربي لم يتغير شيء حيث تبقى القيادات السياسية العربية سبباً أساسياً في تلك الفجوة.ويعني ذلك أن القيادات العربية التي تصافح الغرب بيد تهاجمه باليد الأخرى، حيث تضخ المنصات الإعلامية العربية التابعة للسلطات في كافة دول المنطقة بلا استثناء، المواد التحريضية ضد الغرب على أساس يومي. لا يختلف المشهد في سوريا عنه في مصر أو المغرب أو السعودية. والضخ نفسه يتكرر في المناهج الدراسية وفي خطاب رجال الدين وحتى لدى المشاهير المحليين الذين يكررون خطاب السلطة للحصول على الرضا اللازم للنجاح المهني. وفشلت الجهود الغربية القليلة المطالبة بالإصلاح منذ مطلع الألفية في تحقيق نتيجة تذكر.وفيما يتم اتهام المعارضين والإصلاحيين بأنهم عملاء للغرب في كافة الدول العربية فإن تلك التهمة تصبح أقرب إلى شتيمة على المستوى الشعبي. ولا يعتبر ذلك عبثياً، بل تتعمد السلطات الحاكمة في المنطقة خلق أعداء وصراعات تبرر وجودها في الحكم من جهة والبؤس الاقتصادي والتخلف الخدمي وانعدام التطور الحضاري وظلام المستقبل، من جهة أخرى، ما يعطيها الشرعية أمام البيئة المحلية باعتبارها تحمي المجتمع والعائلة العربية المسلمة من قيم الانحلال الأخلاقي الغربية. وبالأسلوب نفسه تصبح تلك البيئة المعادية للغرب والمحافظة إلى حد كبير جزءاً من الخطاب الدبلوماسي الموجه نحو الغرب نفسه لعقد شراكات سياسية تحافظ فيه العائلات الحاكمة على سلطتها الشمولية من دون إصلاح طالما أنها تمارس عملها كحارس للبوابة يمنع “الأوباش المحليين” من الانفلات على بقية العالم وتهديد الأمن والسلام.ويدور العالم العربي ضمن هذه الحلقة المفرغة منذ عقود. ومن دون كسر لحلقة الأمن مقابل الحرية كمعادلة تحكم المنطقة لا يمكن تأمل مستقبل أفضل ولا تغيراً في لهجة “تويتر” و”فايسبوك” المخيفة. ويصبح المروجون لقيم الديموقراطية والحريات في المنطقة من صحافيين وناشطين ومثقفين أبطالاً يستحقون التحية والإشادة وسط كل هذا الظلام.



